إبراهيم غرايبة.. وحوار عن الثّقافة والسّياسة ومبدأ الرّيبة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

إبراهيم غرايبة.. وحوار عن الثّقافة والسّياسة ومبدأ الرّيبة

مُساهمة  Admin في الخميس نوفمبر 03, 2011 2:01 pm

بين إدارته للدائرة الثقافية في الجامعة الأردنية، وكتابة المقال السياسي والإجتماعي في الصحف الأردنية والخليجية، وتأليف الروايات، والغوص في عالم الدراسات والبحوث، يوزع يومه المليء بالنتاج الأدبي والثقافي والأكاديمي، ذلك هو الكاتب الصحفي ابراهيم غرايبة.
تاريخه لا يخلو من النشاط السياسي، الذي تغيرت مساراته عبر السنين، حتى وصلت حد التلاشي أمام اغراء المناصب الأكاديمية والعوالم الأدبية التي أثرت خياله، وأثراها بتقديم الجديد لها كل حين.
التقيته في أروقة الجامعة التي يقضي فيها ما يقارب نصف يومه، فقابلني بابتسامته المهذبة التي لم تفارق وجهه منذ عرفته قبل سبع سنوات:

• كيف ترى وضع الثقافة العربية بوجه عام والأردنية بوجه خاص؟
- الثقافة باعتبارها "وعي الذات" هي منتج حضاري اجتماعي تعبر عن مستوى وطبيعة الحالة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية السائدة، أو هي محصلة البيئة السياسية والاقتصادية، ولا يمكن أن تكون أحسن أو أسوأ حالا من هذه البيئة المحيطة بها.
ولذلك فإن النظر إلى واقع الثقافة العربية وفهمها سيكون مستمدا من التحليل والرؤية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأظن أن الإجابة ستكون وفقا لذلك بديهية، إذا نظرنا إلى مستوى الحريات العامة والسياسية والاجتماعية والفردية، ومستويات التنمية الإنسانية في التعليم والصحة وتمكين المجتمعات والمرأة والتسامح، وفي الحالة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية ومستوى المعيشة ونوعية الحياة وعدالة التوزيع والإنفاق، .. وهكذا يمكن القول إن الثقافة العربية في أسوأ حالاتها.
وإذا نظرنا إلى الثقافة العربية من ناحية كمية إحصائية، بمعنى ملاحظة مؤشرات القراءة والنشر والمسرح والإنتاج المسرحي والدرامي والسينمائي والموسيقى والفنون والجوائز والإنجازات الثقافية الدولية والإقليمية والحضور الاجتماعي للثقافية في حياة الناس والحضور الدولي والإعلامي للثقافة العربية مقارنة بالدول الأخرى فإن النتيجة بطبيعة الحال تبعث على الأسى والإحباط.
• هل ترى للثقافة دورا فاعلا في التناغم مع ما يدور من تطورات سياسية في العالم وبالأخص العالم العربي؟ وهل يمكن للنتاج الأدبي ان يسهم في تغيير قرار سياسي او الإسهام في ثورة شعبية مثلا؟
- نعم بالتأكيد، فإن الأحداث السياسية العربية بعامة والربيع العربي الذي حل على العرب والعالم، والحراك الإصلاحي القائم هو فعل ثقافي أساسا يعبر عن التطلع إلى الحرية والعدالة والاستعداد للتضحية لأجلهما. فالمجتمعات العربية اليوم تنتفض في الحقيقة على نفسها، وتراجع أولوياتها واحتياجاتها، وتعيد النظر في كل شيء، ألا تلاحظين أن المعارضات والأحزاب والحركات السياسية التقليدية تتعرض هي أيضا مثل الحكومات العربية للمراجعة والنقد القاسي، وتواجه أيضا احتمالات الانحسار؟ إننا نشهد في الواقع ثورة ثقافية تغير من النخب والقيادات والأفكار والقيم والأولويات، فلم تعد على سبيل المثال القضايا السياسية الكبرى التي كانت عنوانا للعمل السياسي الحكومي والمعارض موضع اهتمام الشارع العربي.
ومن المؤكد أن التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى الجارية اليوم وما صاحبها من أحداث وثورات تكاد تشمل الوطن العربي هي تعبر عن ثقافة جديدة تتشكل في المجتمع.

• كيف يمكن العمل على تحسين الواقع الثقافي، هل لديكم أفكار خاصة تسهم في ذلك؟
- الثقافة ببساطة هي الحلقة الأساسية في تشكل الناس وتجمعهم حول مواردهم وأنظمتهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ولذلك فيجب النظر إلى الثقافة القائمة اليوم وتقويمها بمقدار تعبيرها عن هذا التشكل، وبمقدار مساهمتها في تحسين حياة الناس وتنظيم مواردهم واحتياجاتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
ومن جهة أخرى فإن الثقافة تعمل بشكل أساسي على التشكيل الجمالي لدى الأفراد والمجتمعات، الجمال باعتباره التمييز بين القبيح والحسن في الأفكار والأعمال والسلوك والحياة والسلع والمنتجات، وهنا يمكن نشوء فعل جمالي كبير وواسع يساهم في تطوير حياة الناس وأفكارهم، بل وينشئ سوقا اقتصادية إبداعية في الطعام واللباس والعمارة والأدوات والسلع والأجهزة والمنتجات، وتطور أيضا السلوك الاجتماعي وأسلوب الحياة نحو الأفضل، بل وتساهم بشكل أساسي في الحد من الجريمة والانتحار والانحراف والإدمان، وتمنح الناس دوافع جديدة للعمل والإنتاج والإبداع، والشعور بالأمان والرضا والإنجاز.

*أترى أن وجود المثقفين العراقيين في الاردن ساهم بإغناء الساحة الأدبية والفنية، وان التلاقح العراقي الاردني أثر بشكل ايجابي عليها؟
- بالتأكيد فإن الهجرة العراقية إلى الأردن منذ الثمانينيات، بالإضافة طبعا إلى العلاقات الثقافية والتعليمية والاقتصادية بين الأردن والعراق منذ فترة طويلة قد أنشأت حالة ثقافية في الأردن يمكن ملاحظتها في زيادة عدد ومستوى حركة النشر والإبداع الأدبي والفني والمعارض الفنية، ونلاحظ أيضا أن الأردن تحول إلى ساحة ثقافية عراقية، وكان للعمل والمشاركة الثقافية اليومية للمثقفين العراقيين في الصحف والمجلات والمؤسسات الثقافية والتعليمية أثر واضح في الحياة الثقافية الأردنية والعراقية أيضا.

• لمن تحرص ان تقرأ دائما؟ وما هو اخر كتاب قرأته؟
- إنني أقرأ كتابا على الأقل كل أسبوع، وأقرأ عادة آخر ما صدر في الرواية والفلسفة والثقافة، ويغلب على قراءاتي الكتب المترجمة، وبخاصة أعمال المنظمة العربية للترجمة ومؤسسة كلمة في أبو ظبي وأعمال المجلس القومي للترجمة في مصر.
وقد قرأت في الأسبوع الماضي كتاب "مبدأ الريبة، والصراع من أجل روح العلم" تأليف ديفيد لندلي، وترجمة نجيب الحصادي، والكتاب يعرض تاريخ العلم والفيزياء بخاصة، وكيف تشكلت نظرية الكم وركائزها العلمية والتطورات التي مرت بها، والصيغ التي انتهت إليها، ويركز على حالة الجدل التي أثارتها نظرية الكم، ويعنى بالمضامين الميتافيزيقية والمعرفية والحمولات القيمية والمنهجية التي يعتمل بها مبدأ الريبة، قطب رحى هذه النظرية ومركز ثورتها على الفيزياء التقليدية.
هذا المبدأ العلمي "اللايقين أو الريبة" الذي اكتشفه هايزنبرج ونال بسببه جائزة نوبل في الفيزياء يمثل انكارا مؤسسا وعلميا للمذهب الحتمي والسببي الذي ظل لقرون عدة في غاية الأهمية، وأخرجنا من الوعد بفردوس اليقين إلى الذي ظل العلم يبشرنا ويعدنا به.
ولكن هايزنبرج يشكك في هذه البشارة حتى لو استطاع العقل البشري معرفة الأوضاع الراهنة في الكون لن يتمكن من التنبؤ بمستقبله، إنه يشي بعجز بشري متأصل عن فهم العالم الميتافيزيقي، فلا شيء يمكن أن يعرفه البشر بمعنى نهائي لأن كل ما يوجد إنما يوجد بوصفه احتمالا.
الجديد في مبدأ هايزنبرج "الريبة/ اللايقين" أن القياس لا يزعج المقاس فحسب، بل يقوم بتحديده. حقيقة أن كل ما تحصل عليه من القياس يتوقف على ما اخترنا قياسه لا طرافة فيها، الطريف هو أن قياس جانب من النسق يوصد الباب في وجه ما يمكن اكتشافه من أشياء أخرى، ومن ثم فإنه يقيد بشكل محتم المعلومات التي يمكن لأي قياس مستقبلي أن يفضي إليها.
وهذا يختلف عن الحكم البديهي أن البشر يعرفون أشياء ولا يعرفون أخرى وعن الحكم الحتمي أننا لو عرفنا أشياء لعرفنا كل شيء، إن مبدأ الريبة يقر أن معرفتنا بأشياء متأت من جهلنا بأخرى، كما لو أن العلم يحتم الجهل، ففي العلم قبل ميكانيكا الكم "لكل شيء موضع، وثمة موضع لكل شيء"وإمكان فهم العالم مؤسس على إمكان التعرف على اجزاء المادة ومواضعها وطاقتها وكمية حركتها، أما في العلم الكمومي فالعالم غير قابل للفهم لأنه لا رجاء في معرفته، كل هذه الأشياء في آن ، هذا المبدأ لا يقول إن البشر قد خلقوا على نحو يحول دون قدرتهم على فهم العالم، بل إن العالم قد خلق على نحو يحول من دون قدرهم على فهمه.
• لديك عمود شبه يومي في صحيفة الغد الأردنية، كيف يمكن للصحفي ان يحافظ على مستواه في كتابة عمود يومي في زحمة اعماله الاخرى؟
- بالطبع فإن الأعمال والاهتمامات تضعف مستوى الكتابة وجودتها، ولكنها أيضا تمنح الكاتب قدرا من التجارب والمعلومات والملاحظات تساعده على الكتابة على نحو يواكب الأحداث والاحتياجات والافكار الجديدة، وتجعل كتابته مستمدة من نبض الناس ومعايشتهم،.. المسالة بتقديري بحاجة الى موازنة وإدارة للوقت والاهتمامات.
• هل اخذتك الصحافة من عالم الرواية ؟ وهل اخذتك الوظيفة الأكاديمية من كليهما؟
- نعم، الصحافة تضر بالكتابة الأدبية والروائية، وإن كانت تمنح الأديب رشاقة في الأسلوب، وديناميكية في الكتابة والملاحظة، ومنهجا علميا وعمليا في الوقت نفسه في الفهم والتحليل والتخمين، وتثري المعرفة والقدرات الغرائزية في التشكيل وبناء العلاقات والعوالم الحياتية والروائية، وإدراك خبايا النفوس وكشفها في الكتابة.
والوظيفة الاكاديمية تتعارض مع الصحافة والرواية وتقصمهما، ففي تقاليد العمل الاكاديمي وسلفيته ما يؤدي إلى التآكل الروحي وفقدان الإبداع، وإن كان يمنح الإنسان جدية في المعرفة والمواقف، وصرامة عادلة في الحكم والاستنتاج، ولكن الرواية ليست كذلك، إنما هي خيال وتحرر من العقل أو تشغيل لعقل آخر لا يكاد العمل الأكاديمي يحس به وإن كانت معظم الانجازات الأكاديمية والبحثية مردها إلى الخيال.

*لماذا ابتعدت عن السياسة؟
- لم أبتعد عن السياسة بالمفهوم العلمي والحقيقي، ولكني ابتعدت عنها حسب التعريف الدارج في الإعلام والمجتمعات، ولكني أعتبر نفسي مشتغلا بالسياسة بالمعنى المستمد من تحسين الحياة والولاية على الموارد وتمكين المجتمعات وتطويرها والتنمية والإصلاح بعامة، أو التشكل الملائم وإقامة العلاقات الصحيحة بين الموارد والأعمال والأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كان ذلك يصنف على أنه ابتعاد عن السياسة، ولكن الربيع العربي أظهر من جديد أن المفهوم الحقيقي للسياسة مستمد من مستوى الحياة ونوعيتها.
* بودي أن أفهم سر تحولك من جماعة الاخوان المسلمين إلى التيار الليبرالي، هل هو تغيير في الأفكار، أم نتيجة لنضوج الوعي، أم تمرد؟
- الفكرة الأساسية للتحول كانت قائمة من الاعتقاد بضرورة الأنسنة في السياسة والحكم والإدارة، واستحالة ردها إلى تعاليم وأفكار ثابتة ومحددة يعتقد أنها نزلت من السماء. الدين والإسلام ليس كذلك ولا يطالب المسلمين بذلك، ولكنه يدعو إلى الأنسنة والنسبية وعدم اليقين وعدم الاعتقاد بامتلاك الصواب أو احتكاره. وما جرى في الحقيقة من إسناد أفكار وادوار محددة في السياسة والسلطة باسم الإسلام إنما نسبت إليه لأغراض تعزيز السلطة والنفوذ والتأثير او الاستثمار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، والأصل أن الدين منزه عن ذلك، ولا يطالب اتباعه بذلك. لقد لاحظت أن
الإسلاميين (سواء في الجماعات أو الحكومات والسلطة) يفسدون الدين والسياسة معا.
إن الديمقراطية تقوم على أساس أننا لا نعرف الصواب، ولا نملك اليقين إزاء المشكلات والتحديات والقرارات التي يلزمنا إدارتها، ولأجل ذلك نلجأ إلى التصويت، ولكنا نلتزم موقف الأغلبية ليس لأنه صواب، الأمر الذي يقتضي حتما أن كل الأفكار والمواقف حتى لو لم تنل تأييد الأغلبية يظل النظر إليها قائما باعتبارها يمكن أن تكون صوابا، ويمكن أن تتحول إلى أغلبية، بمعنى عدم جواز إقصائها أو منعها او محاربتها أو أخفائها أو تهميشها مهما كانت، وذلك يتناقض جوهريا مع المنهج الديمقراطي (الإسلامي السياسي وليس الديني لأن الدين يحتمل كثيرا النسبية وعدم اليقين بعكس ما يبدو للكثيرين في الوهلة الاولى) والذي يتحرك على أساس اليقين بفكرته وموقفه وصوابها على أنها من السماء.
ما فعله الإسلاميون المشتغلون بالسياسة هو التقدم بـ"الصواب والحق المنزل من السماء" على أساس الانتخابات الديمقراطية، وهذا يقوض من الأساس الديمقراطية وفلسفتها وعقدها المؤسس للمجتمعات والدول وسلوك الأفراد.
لم يقدم بعد الفكر السياسي الإسلامي ولا الخطاب السلوكي والتطبيقي للإسلاميين المعاصرين نماذج قائمة على النسبية وعدم اليقين، ومازالت جهود الباحثين والمفكرين في المجال السياسي الإسلامي تركز على أساس التوفيق بين الإسلام والديمقراطية، وفرص إقامة دولة مدنية إسلامية (إذا كانت مدنية بالفعل فماذا يعني أنها إسلامية أيضا) ولكن امتدت النسبية في تأثيراتها وتداعياتها من الفيزياء والعلوم إلى الفلسفة والحياة، وغيرت كل شيء في العالم المعاصر، وحولت الفلسفة والعلم قبلها إلى تراث تاريخي مع الاحترام والتقدير، وبطبيعة الحال يجب أن تغير أيضا من فهمنا وتفسيرنا للنصوص الدينية، وتفكيرنا الديني!
فإذا كنا لا نملك اليقين المطلق بصواب فهمنا وتطبيقنا للدين، ما يقتضي حتما أن يظل الفهم والتطبيق مستوعبا لاحتمالات المعرفة الجديدة والتغير في الفهم والتأويل، كيف سننشئ دولا وحياة إسلامية مدنية قائمة على الديمقراطية وعدم اليقين في الوقت الذي لم نغادر اليقين؟
ستظل الحركات الإسلامية حتى بعد استيعابها للنسبية أمام مأزق عدم اليقين ليس باعتباره حتمية قائمة على عدم قدرتنا على معرفة كل شيء، ولكن لأن كل ما يوجد إنما يوجد بوصفه احتمالا، فهذا مختلف عن الحكم البديهي (لم يتوصل له الإسلاميون بعد رغم بداهته) أن البشر يعرفون أشياء ولا يعرفون أخرى وعن الحكم (الحتمي أو السببي) أننا لو عرفنا أشياء لعرفنا كل شيء، ولكن لأن العلم يحتم الجهل، أو لأن العالم قد وجد على نحو يحول دون قدرتنا على فهمه، وليس لأن البشر قد وجدوا على نحو يحول دون قدرتهم على فهم العالم!
avatar
Admin
Admin

المساهمات : 92
تاريخ التسجيل : 14/12/2010
العمر : 23

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://dorouss.forumarabia.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى